فخر الدين الرازي

208

تفسير الرازي

والغرض منه التنبيه على أن الشفاعة المؤدية إلى سقوط الحق وقوة الباطل تكون عظيمة العقاب عند الله تعالى . ثم قال تعالى : * ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في المقيت قولان : الأول : المقيت القادر على الشيء ، وأنشدوا للزبير بن عبد المطلب . وذي ضغن كففت النفس عنه وكنت على إساءته مقيتا وقال آخر : ليت شعري وأشعرن إذا * ما قربوها منشورة ودعيت إلي الفضل أم علي إذا حوسبت * اني على الحساب مقيت وأنشد النضر بن شميل : تجلد ولا تجزع وكن ذا * حفيظة فاني على ما ساءهم لمقيت الثاني : المقيت مشتق من القوت ، يقال : قت الرجل إذا حفظت عليه نفسه بما يقوته ، واسم ذلك الشيء هو القوت ، وهو الذي لا فضل له على قدر الحفظ ، فالمقيت هو الحفيظ الذي يعطي الشيء على قدر الحاجة ، ثم قال القفال رحمه الله : وأي المعنيين كان فالتأويل صحيح ، وهو أنه تعالى قادر على إيصال النصيب والكفل من الجزاء إلى الشافع مثل ما يوصله إلى المشفوع فيه ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، ولا ينتقص بسبب ما يصل إلى الشافع شيء من جزاء المشفوع ، وعلى الوجه الثاني أنه تعالى حافظ الأشياء شاهد عليها لا يخفى عليه شيء من أحوالنا ، فهو عالم بأن الشافع يشفع في حق أو في باطل حفيظ عليه فيجازى كلا بما علم منه . المسألة الثانية : انما قال : * ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) * تنبيها على أن كونه تعالى قادرا على المقدورات صفة كانت ثابتة له من الأزل ، وليست صفة محدثة ، فقوله : * ( كان ) * مطلقا من غير أن قيد ذلك بأنه كان من وقت كذا أو حال كذا ، يدل على أنه كان حاصلا من الأزل إلى الأبد . قوله تعالى * ( وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَسِيباً ) * .